• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

فن الإلقاء

د. ميثم سعيد السلمان

فن الإلقاء
قال الله تعالى: (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) (القصص/ 34)، وكذلك من باب تسليط الضوء على بعد من ابعاد الاقناع اللغوي. في هذه الآية الكريمة إشارة إلى أهمية الفصاحة. إذ انّ نبي الله موسى عليه وعلى نبينا وآله أزكى الصلاة والتسليم، لا يستطيع إيصال المعلومة كما يفعل هارون. فهارون بما كان يمتلكه من مهارة في البلاغة والسبك اللغوي، قادر على الاقناع وتقديم الحجة ببلاغة أكثر من موسى. من هذا المنطلق دعت الحاجة نبي الله موسى إلى أن يطلب من الله جلّ وعلا أن يسنده بأخيه هارون، حتى يتمكن من إلقاء الحجة على فرعون بفصاحة وبلاغة. وهنا سنشير إلى بعض النقاط والآليات المهمة في فن الالقاء. منها أهمية الخطاب في التبليغ. إذ لابدّ ان ينتبه الإنسان وخصوصاً طالب العلم، إلى المادة التي يطرحها، إذ يجب أن تكون متينة وقوية حتى يقنع الطرف الآخر. كذلك يجب أن يكون هناك اخلاص في النية، فجميعنا نعرف أن ما يخرج من القلب يقع في القلب. بمعنى، إذا تكلم الإنسان من قلبه فالطرف الآخر يتقبل الكلام ويكون له بالغ الأثر في نفسه. أما إذا لم يكن مقتنعاً أساساً بالكلام الذي يخاطب به الافراد، فلن يكون ذو أثر على المستمع. فعلى سبيل المثال، إذا كان هناك شخص يتملك آليات في فن الالقاء وأراد إقناع الطرف الآخر بها فلن تؤثر إذا كان هو شخصياً لم يكن مقتنعاً بها. وعلى هذا يجب على الإسان أن يتمتع بأسلوب قوي وجدير. هذا من جانب، أمّا الجانب الآخر وهو إشغال الذهن بالهمّ التبليغي. بمعنى أنّه لو كان هناك خطيب ما يذهب إلى بلد للترزق من الخطابة، لا نقول انّه لا يؤثر بتاتا على المستمع. ولكن مستوى التأثير يختلف عندما يكون المرء يمتلك الهم، ويكون لوقع كلامه أثر عند الطرف الآخر.   - الإرساء الإيجابي: وانتقل بك الآن إلى معنى الارساء قبل الدخول إلى النقطة الثانية. الارساء في اللغة هو الرسوخ ورسو السفينة أي مكان توقفها، والمعلومات هكذا تحط في الذهن. فالإنسان يرسي في ذهنه معلومات صحيحة وفي بعض الأوقات معلومات خاطئة، بمعنى آخر نستطيع أن نقول انّ الإنسان يلقن نفسه تارة تلقينا إيجابياً وتارة أخرى تلقيناً سلبياً. وابسط مثال على ذلك هو انّ الطفل حينما يلقنه الوالدان على سبيل المثال بأنّه (غبي)، وهذه الكلمة تتردد يومياً على مسامعه فإن حصيلتها في الشهر هو ثلاثين مرة. ولو أنّ هذا الطفل لقن هذه الكلمة ثلاث مرات في اليوم فأنّ المحصلة في آخر الشهر هي تسعين. وفي نهاية السنة ستبلغ 1095 كلمة سلبية تربعت في ذهنه. في نهاية السنة هل سيكون هذا الطفل فاعلاً في المجتمع؟ وهل سيؤدي وظيفته بأكمل وجه؟ قطعا لا. وذلك بسبب تلقنه لتلك الكلمة السلبية، فإنّه ستتكون لديه في نهاية العام قناعة شخصية تقول له: انك غير فاعل في المجتمع، وانك لا تستطيع بلوغ أي شيء في هذه الحياة. وستؤدي إلى حدوث ردة فعل سلبية بالنسبة إليه. ولكن بالامكان إيصال المعلومة بأسلوب آخر، وهو عن طريق التلقين الإيجابي. فلو عكسنا القضية على سبيل المثال ولقنا الطفل يومياً بأنّه ذكي، فإنك تقنعه بأنّه نابغة وبهذه الكيفية فأنك في نهاية العام، شخصيته تهذيباً إيجابياً، وخلقت منه شخصاً فاعلاً في المجتمع، لأن تلقينه كان إيجابياً من الأساس. ولا ننكر الحاجة إلى التأديب أحياناً وهو من مستلزمات التربية، ولكن يجب أن لا يكون عن طريق إرساءات سلبية في الذهن.   - التلقين الإيجابي الذاتي: وإذا انتقلنا إلى النقطة الأخرى، وهي القول بأن هناك مستويات منطقية يحتاجها المبلغ من أجل بلوغ أهدافه. فعلى سبيل المثال عندما يريد المبلغ ان يلقي خطاباً معيناً، يصعد إلى المنبر أو تكون عنده كلمة بوجود عدد كبير من الجمهور عادة ما تكون هناك رهبة أو خوف من الاخفاق لديه. وللسيطرة على هذه المخاوف وضع علماء النفس آليات تمكنه من تلقين نفسه إيجابياً. فلا يقول لنفسه انني لا أستطيع، أو سأنسى كل ما في ذهني، أو سأتلعثم، وانني غير قادر على مواجهة الجمهور.   - آليات السيطرة على النفس: ومن أجل السيطرة على المخاوف، أوجد علماء النفس بعض الطرق للتغلب عليها. إذ ينبغي على المتحدث قبل الشروع في كلمته أن يغمض عينيه ويتنفس بعمق، ويقوم بعليتي الشهيق والزفير، وذلك لهدف التخفيف من حدة ضربات دقات القلب. كما بأستطاعته أن يستحضر ذكرى مفرحة، أو مبهجة، أثناء ذلك، حتى يتمكن من اشغال الذهن والوعي، والعكس صحيح، إذا أراد أن يهيج أحزان الحضور. فبإشغال الوعي يغض النظر عن الأمور والحسابات المنطقية، التي يرتبها المرء من أ<ل برمجة سلوكه، ويشغل ذهنه عن هذه المسائل، ويتوجه بالتفكير إلى هذا الشيء المفرح أو المبكي. فيتبرمج السلوك برمجة إيجابية عن طريق الهائه في أمر آخر، وحين البدء يكون قد سيطر على الموقف الأوّل، الا وهو مسألة الخوف، في كيفية الشروع. أمّا المرحلة الثانية وهي الخوف أثناء الالقاء، فمن المفترض أن يحاول المتكلم أن لا يبصر مباشرة في عين الجمهور، بل أن يوزع النظرات على الجمهور ويركز على الجبهة وكأنّه بذلك يبصر إلى أعينهم. فهنا يسيطر على الخوف الثاني، وذلك لأنّ العين لها أثر كبير في النفس. ففي بعض الأوقات ترى بأن شخصاً ما موجود في داخل المجلس يؤثر على اتزان المتحدث بسبب نظرة منه إليه.   المصدر: كتاب تهذيب البرمجة اللغوية العصبية

ارسال التعليق

Top