• ٣ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٧ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

في القلب خوف لا يسكن

أريج الحسني

في القلب خوف لا يسكن
قال الله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد/ 28).

في القلب وحشة، في القلب خوف، في القلب قلق لا يسكن هذا القلق ولا تسكن هذه الوحشة ولا يأنس إلا بذكر الله، وأنا أقول لكم هذه الكلمة: ابحثوا عن كلّ شيء، ليس في الأرض كلها شيء يمنحكم سعادة إلا أن تذكروا الله.

إنّ القلوب لتصدأ صدأ الحديد، قيل: وما جلاؤها؟ قال: ذكر الله وتلاوة القرآن.

إذاً من أسماء الله السلام إنك إذا ذكرته شعرت بالسلام، إنك إذا ذكرته زال عنك الخوف، إنك إذا ذكرته زالت عنك الوحشة، إنك إذا ذكرته أنست به، إنك إذا ذكرته اطمأننت.

البعيدون عن الله عزّ وجلّ يأكل قلوبهم الخوف، يختلّ توازنهم، وينسحقون، أما المؤمن فهو مطمئن.

إذاً من أسماء الله السلام إذا ذكرته يمنحك السلام، إذا ذكرته يمنحك الإطمئنان، إذا ذكرته تشعر أنك بالقرب منه، إذا ذكرته تشعر أنّه يدافع عنك، وأنك في رعايته وفي حفظه وفي تأييده وفي توفيقه وفي حمايته.

من معاني اسم السلام أنك إذا اتصلت بالله عزّ وجلّ طهرت نفسك من العيوب وهنا ندخل في معانٍ دقيقة، وأوّل معنى أنّ ذاته جل جلاله تنزهت عن كلّ عيب وصفاته تنزهت عن كلّ نقص وأفعاله تنزهت عن كلّ شر، أي شر؟ هذا الشر المطلق أم الشر الهادف؟ فهذا علاج والعلاج دائماً مر، من المعاني الأُخرى: أنّه ذو سلامة أي يمنح السلامة لعباده إما في خلقهم كما تحدثنا قبل قليل وإما في نفوسهم فذكر الله يورث الأمن والطمأنينة والسلامة.

والآن فالاتصال بالله ينقي النفس من عيوبها من البخل، من الشح، من الحقد، من الضغينة، من الحسد، من الكبر، هذه الصفات الذميمة التي يشقى بها الإنسان إذا اتصلْتَ بالله عزّ وجلّ تتنزه أنت عنها، إذاً هو ذو سلام في جسمك أعطاك أعضاء وأجهزة وأعطاك خلايا وأنسجة ودقة بالغة في جهازك العظمي والعصبي والعضلي والشرايين والأوردة، وإذا كنت خائفاً وذكرته بث في قلبك السلام، فإذا اتصلت به طهرك من كلّ العيوب والنقائص وجعلك طاهر النفس.

شيء آخر: الله سبحانه وتعالى يهدي عباده سبل السلام، كلّ إنسان له بيت وأُسرة فممكن أن يكون في بيته خصام، فيه شحناء، فيه بغضاء، فيه طلاق، فيه أحياناً ضرب لزوجته، هذا البيت فيه شقاق، فيه ضغينة، فيه حقد، فيه مشاجرة، فيه نفور، فإذا اتبعت توجيهات القرآن الكريم ومنهج النبي (ص) يهديك الله سبل السلام في بيتك فترى البيت وديعاً فيه طمأنينة فيه راحة نفسية فيه مودة فيه إيثار فيه محبة لأنك اتبعت ما جاء به النبي (ص): إذا دخلت إلى بيتك فسلم على أهلك بقولك السلام عليكم فيذهب الشيطان، إنّ الشيطان يدخل بيتاً فإذا دخل صاحب البيت ولم يسلم قال لإخوانه: أدركنا المبيت، فيكون طوال هذه الليلة مشاكل، فإذا جلسوا إلى الطعام ولم يسموا الله قال: أدركنا العشاء، فإذا دخل صاحب البيت فلم يسلم وجلس إلى الطعام ولم يُسَمّ الله قال الشيطان لإخوانه: أدركنا المبيت والعشاء في هذا البيت، وبعد، الله السلامُ يهديهم سبل السلام فقد أمرك أن تختار المرأة الصالحة فلما اخترتها لأنها صالحة سعدت بها وأسعدتها فإذا آثرت الجمال على الصلاح من معاني السلام أنّك إذا طبقت شرعه يهديك سبل السلام كقوله تعالى:

(إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) (الإسراء/ 9).

أي إذا طبقت الشرع يعطيك السلامة في الدنيا، وإذا أقبلت على الله يعطيك سلامة النفس، وإذا أطعته في كلّ مناحي حياتك يعطيك سلامة الآخرة، قال الله تعالى:

(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الحشر/ 23).

تصاحب أحياناً شخصاً شريراً أو تشاركه في بعض أعمالك فيدمر لك حياتك، وقد يتزوج إنسان امرأة شريرة، إذاً في تجارتك يهديك سبل السلام، في زواجك يهديك سبل السلام، في علاقاتك بجيرانك يهديك سبل السلام، هذا معنى السلام، فأنت إذا طبقت القرآن الكريم أوصلك في كلّ موضوع، في كلّ حقل، وفي كلّ جانب إلى السلام. والله يدعو إلى دار السلام وهي الجنة، فالسلام مريح جدّاً فإنك تعيش في طمأنينة وتعيش براحة وتحس أنّ الله خالق الكون معك لا يتخلى عنك ولا يسلمك إلى عدوك يدافع عنك ويحفظك ويؤيدك وينصرك لكنْ إذا دفعت الثمن قال تعالى:

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) (المائدة/ 12).

إذاً من معاني السلام أن ذكر الله يورث الأمن والسلام فمن معاني السلام أنّ الاتصال بالله عزّ وجلّ يكسب السلامة من العيوب والنقائص والأدران والحماقات والحقد والحسد والضغينة والعلو في الأرض والكبر. هذه الصفات الذميمة المهلكة إذا اتصلْتَ بالله عزّ وجلّ نقّاك منها.

يبارك له في زواجه وفي عمله وفي رزقه وفي صحته وفي أولاده ويهديهم سبل السلام.

(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) (طه/ 123).

يجب أن تعرف أنّ السلامة كلها أن تكون مع الله. السلامة كلها أن تكون وفق أمر الله. السلامة كلها في معرفة الله السلامة كلها في عبادته السلامة كلها في فهم كتابه السلامة كلها في تنفيذ شرعه السلامة كلها في الالتزام بما أمر.

الآن وردت كلمة السلام في القرآن بمعنى آخر قال الله تعالى:

(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (يونس/ 25).

 

ما هي دار السّلام؟

الجنّة ليس فيها بغض ولا حسد ولا فيها مرض ولا فيها قلق ولا فيها خوف ولا فيها منازعة ولا فيها حروب ولا فيها شيء من هذا كله.

(لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (يونس/ 26).

هذه دار السلام، هذا معنى آخر. السلام ورد في آية أُخرى قال:

(وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ) (الواقعة/ 90-91).

الله سبحانه وتعالى يخبرك عن سلامة هؤلاء، يقولون، نحن في صحة جيدة وفي سعادة كبرى، أصحاب اليمين في سلام هم في الجنة.

ورد أيضاً في قوله تعالى: (وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً) (مريم/ 15).

أوحش ما يكون العبد في ثلاثة مواطن، يوم ولد. كان في الرحم مسروراً ومرتاحاً من المتاعب والمشاكل وخرج إلى الدنيا، طبعاً هو انتقل من مكان ضيق إلى مكان واسع ولكي يألف الدنيا يبكي فوراً، أوحش ما يكون العبد في ثلاثة مواطن:

ويوم يموت يدع كلّ شيء، زوجته وأولاده وبيته وغرفة نومه ومكتبته وسيارته ومحله التجاري وعنده يوم في الأسبوع يجتمع فيه مع أصحابه إذا كان له أصدقاء وأصحاب. كانت له رغباته وميوله، توقف قلبه وها هم يأخذونه إلى القبر، خرج بلا عودة وترك كلّ ما ذكرناه.

هو الذي زين البيت ورتبه وعنده مكتبته الخاصة وغرفته الخاصة يضع فيها حاجاته الشخصية بعض الهدايا المهداة إليه يتمنى أهله أن يفتحوا درجه فلا يسمح لهم في حياته وعندما يسلم الأمانة يفتحون الدرج ويأخذون السيارة ويفتحون المحل ويرتبون ويبيعون ويشترون هكذا تجري الوقائع. وكذلك يوم يبعث حيّاً، يستشعر الوحشة والخوف.

 

المصدر: كتاب إستمتع بحياتك وعش سعيداً

ارسال التعليق

Top