• ٢ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٦ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

مواجهة الأزمات قبل وقوعها

خليل حنا تادرس

مواجهة الأزمات قبل وقوعها

◄إنّنا نتغير باستمرار، من المهد إلى اللحد؛ ولكن العملية ليست ثابتة دائماً.. فهي في بعض الأحيان قفزة إلى الأمام، أو نكسة مدمرة.. وغالباً ما يبدو أنّ ربة بيت مرحة واثقة من نفسها تعاني انهياراً تاماً بين يوم وليلة.. أو يتحول مراهق متمرد مضطرب إلى شاب دمث الأخلاق.. أو أن يفشل في عمله عامل كفء موثوق به، أو تنقلب شابة فوضوية تتصرف كالأطفال، إلى أُمّ رائعة.

فكيف نفسِّر هذه التغييرات الفجائية إلى ما هو أحسن، أو ما هو أسوأ؟ وما الذي يضعنا فجأة في طريق أفضل، أو يجعلنا نتنكب طريقنا؟

إنّ أطباء الأمراض العقلية الذين ينقبون في تواريخ أشخاص مصابين باختلال عقلي أذهلتهم بعض الوقت حقيقة أنّ بداية المرض الطويل المدى جاءت في أعقاب أزمة وقعت في حياة المريض، وكانت الأزمة في بعض الحالات نكبة أو كارثة من المتوقع أن تسبب المتاعب: كوفاة ابن، أو فقد العمل، أو عملية جراحية كبرى؛ ولكن في بعض الحالات الأخرى لم يكن الحادث الذي سبق التحوّل، كارثة، أو حتى شيئاً من سوء الحظ.

وكثيراً مما اتضح أنّ مولد طفل، أو ترقية، أو العام الأوّل في الجامعة كان نذيراً بالوقوع في براثن المرض.. وقد ينهار بعض الناس تحت وطأة تغييرات من المفروض أنّها بهيجة سارة.

وبينما كان أطباء الأمراض العقلية يلاحظون العلاقة الظاهرة بين الأزمات والمرض العقلي.. لم يستطيعوا الإغضاء عن ملاحظة أنّ نفس الأزمات التي تهزم بعض الناس، تبعث قوى مذهلة غير متوقعة في البعض الآخر، وليس من الضروري أن يكون الشخص "القوي" هو الذي يتصرف بطريقة طيبة، فكثيراً ما يكون ذلك الشخص إنساناً كان حتى ذلك الحين ضعيفاً نسبياً لا أثر له.. ومن ثمّ فإنّه يبدو أنّ الأزمة تستطيع أن تنتج نمواً حقيقياً للشخصية.

إنّ الشخص في غمرة الأزمة يكون في أرض غير مألوفة، ويحس أنّه فقد التوجيه، وانتباه الارتباك، وقد غمرت أفكاره ومشاعره بذكريات أزمات سابقة تملؤه بقلق مماثل أو خوف، والشخص الأكبر سناً عندما يواجه عملية جراحية، قد ينتابه الفزع المبهم عندما يذكر عملية استئصال اللوزتين خلال طفولته، والتلميذ الجديد الذي يودع أُمّه يتذكر كلّ حالات الانفصال التي عرفها في حياته.

إنّ الإنسان الذي يقع في غوائل موقف يبدو مستعصياً على الحلّ يصبح متوتر الأعصاب.. حاد الطباع معادياً لأقرب الناس إليه، أو منقبض النفس مهموماً، فهو لا يأكل، ولا يستطيع النوم، ويشعر أنّه منهك القوى.. وقد تشبه أعراضه أعراض الانهيار العصبي الوشيك؛ ولكنّها الانفعالات الطبيعية لشخص وقع في أزمة.. وهو في النهاية "يحل" المشكلة بطريقة أو بأخرى.. ووفقاً للطريقة التي دبّر بها أمره خلال الأزمة قد يخرج أقوى عقلاً وأكثر انسجاماً مع الواقع أو أضعف وأكثر تعرضاً للمتاعب في أوقات الشدائد في المستقبل.. فما سبب هذا الاختلاف؟

ويقوم الباحثون في كلية الطب بجامعة هارفارد، ومدرسة الصحة العامة بهارفارد، وكذلك في بعض المراكز الأخرى، منذ أكثر من عشر سنوات، بدراسة الأزمات "الطارئة" التي تكتنفنا، والأزمات "المتطورة" التي تعوق نومنا، وراقبوا الطريقة التي يستجيب بها الناس إلى موت إنسان عزيز، وانفعالات المرضى الذين ينتظرون العمليات الجراحية، واستجابات الرجال والنساء والأطفال للكوارث، مثل الأعاصير والحرائق، وتصرفات السيدات اللاتي وضعن أطفالاً قبل إتمام أشهر الحمل، وتكيف الزوجين مع الشهور الأولى من الزواج.. وتبيّن لنا دراساتهم كيف أن معالجتنا لنقاط التحول الحرجة تصوغ شخصياتنا وتشكّل حياتنا.

لقد كان هناك بين النساء اللاتي وضعن قبل إتمام أشهر الحمل، مثلاً طريقتان مختلفتان للتصرف حيال الأزمة، فقد استجاب بعضهن لها في حزن وإدراك بالغ للخطر على الوليد وسكبن مخاوفهنّ على مسامعَ أزواجهنّ والأسرة، وضايقن الأطباء والممرضات بالإلحاح في طلب المعلومات وأصررن على رؤية الوليد رغم تحذيرهن بأنّه لن يكون لقاء ساراً.. وعندما انقضى خطر موت الوليد، وعدن إلى البيت، شرعن في حملة الاستعدادات لعودة الوليد إلى البيت، وقمن بزياراته بانتظام وجمعن الحقائب من جميع المصادر الممكنة عن طريق معاملته، وأحضرن أُمّاً أو خالة للمساعدة.

وهناك فريق آخر من النساء واجهن نفس الأزمة، فتصرفن بطرق عديدة أكثر رزانة حيال الأسرة والأصدقاء والأطباء وموظفي المستشفى وقبلن أوّل تأكيد من الزوج أو الطبيب بأنّ "كلّ شيء على ما يرام" وفكرن بين وقت وآخر في كيفية حدوث هذا الأمر، ومَن المسؤول عنه ولكنهنّ لم يبكين عليه، وعندما تجاوز الوليد مرحلة الخطر، تأكد اعتقادهنّ بأنّه لم تكن هناك أزمة.. وقمن بزيارة الطفل في أوقات متباعدة، ولم يتخذن أيّة خطوات لمعرفة أي شيء عن احتياجاته الخاصة.

وبعد انقضاء فترة تتراوح بين ستة وعشرة أسابيع على مغادرة الأطفال المستشفى، قال أخصائيو الصحة العقلية الذين تابعوا تصرفات الأُمّهات، إنّ ردود الفعل المختلفة للسيدات حيال الأزمة كانت مصحوبة بنتيجتين مختلفتين تماماً.

فالسيدات اللاتي كن أكثر انزعاجاً وأكثر حديثاً عن قلقهنّ.. وأكثر إدراكاً للمشكلات الحقيقية للأزمة، قد تجاوزنها بسلام.. وظهر أنّهنّ ازددن قوة، لقد تعلمن حلّ المشكلات بطريقة فعّالة جعلت، على ما يبدو الأُمّهات والأُسر أكثر قدرة على التكييف مع الأزمات الأخرى.. وكثيراً ما أصبحت العلاقات العائلية أفضل مما كانت عليه قبل ولادة الطفل.. ولكن السيدات اللاتي أنكرن أهمية الأزمة بدلاً من مواجهتها بكلّ منغصاتها كن محور العلاقات العائلية المتدهورة.. فقد اكتنفت الأسرة المنازعات واللوم، وتجاوز المشكلات اليومية، وكثيراً ما أهمل الطفل أو أتلف بالإفراط في القلق عليه الذي يعوق نموه.

وقد تكررت أساليب الاستجابة لأزمة الوضع قبل إتمام شهور الحمل، مع اختلافات طفيفة، في جميع دراسات الأزمة، وتبيّن أنّ الحد الذي يواجه به الشخص حقائق المشكلة ويكافحها بهمة ونشاط، يجعله يخرج منها أشد قوة، أو على الأقل في مثل قوته السابق، أمّا إذا هرب من حقائق الأزمة فإنّه يمهد الطريق إلى نموذج سيئ من التكيف مع الحياة.

ويمكن القول بأنّه ليس في استطاعة أي منا أن يتعلم سلفاً معالجة الأزمة بطريقة بنّاءة، ومع ذلك ففي استطاعتنا إلى حدٍّ ما، أن نتوقع أزمات معينة في الحياة وأن نتمرّن، على الدور الذي نقوم به فيها.

والذين يحسنون معالجة الأزمات والتغلّب عليها هم أولئك الذين يبحثون بنشاط عن حلّ لها.. فهم يتلهفون على المعلومات المفيدة، ويودون أن يعرفوا مقدماً كيف تجري العمليات الجراحية، أو كيفية العناية بوليد وضع قبل إتمام شهور الحمل، وهم يتجنبون لوم أنفسهم أو لوم الآخرين ويدركون أنّ هذا ابتعاد عن المشكلة الحقيقية، ولا يخجلون من الإعراب عن مخاوفهم وقلقهم، ويتعلمون كيف يستريحون عندما تفشل كفاءاتهم بسبب التعب، وكيف ينظمون أنفسهم للعودة إلى الكفاح الأليم، عندما يستعيدون قواهم، ويستطيعون قبول - بل وجمع – المساعدة، ولا يعتبرونها علامة ضعف؛ بل دليل نضج.

وإنّ ما نعرفه عن السبل السليمة وغير السليمة خلال الأزمات، لا يمنحنا أدوات لمساعدة أنفسنا فحسب؛ بل ويكفل لنا أيضاً وسائل معاونة مَن نحبهم.. ولننظر إلى الأزمات الطبيعية في مستهل الحياة الزوجية.

والشهور الأولى من الزواج، رغم ما فيها من أثارة ومتعة، تشمل أيضاً مطالب جسدية ونفسية يمرّ بها بعض الناس كسلسلة من الأزمات؛ فلابدّ للزوجين من إنشاء بيت، ووضع أساليب تكميلية لتقسيم العمل واتّخاذ القرارات، ويجب أن يضعفا من ارتباطهما بأبويهما، وأن يوجها طاقتهما العاطفية نحو العلاقة الجديدة.. ويجب على كلّ منهما أن يوسع حدود حياته الخاصة في البيت لتشمل الآخر في كلّ نواحي الحياة التي تبدو صغيرة، والتي كانت حتى ذلك الحين خاصة به وحده وقد يكون ذلك أمراً مقلقلاً، ويجب عليهما تحقيق توافق جنسي مُرْضٍ.

وإذا عجز الزوجان عن معالجة هذه المشكلات، وأعرضا عن المنغصات، وأجّلا تحقيق التوافق، فإنّهما يمهدان الطريق لزواج قد تساء فيه معالجة الأزمات المقبلة، كولادة الطفل أو المرض، أو فقد العمل.. أما إذا عالجا أزماتهما بطريقة صحيحة، فإنّهما يكونان قد اتخذا خطوة حاسمة نحو علاقة تسودها الثقة المتبادلة والاحترام والتأييد والحب.. وإلى المدى الذي يسهم به كلّ فرد في حل واقعي لكلّ أزمة، يكون قد ارتفع بقيمة شخصيته وعزز مهاراته الفردية لحلّ المشكلات.

ومن ثمَّ فإنّ هناك في كلّ أزمة من أزمات الحياة، الخطر والفرصة معاً، والوعد والوعيد، وشبح التدهور، والأمل في النمو والاغتناء؛ فنحن لسنا سجناء شخصية صيغت في طفولتنا أو مراهقتنا في قالب دائم للأبد.

وإذا استطعنا أن نتعلّم تجنب طرق التهرّب وأن نقوم باختيارات سليمة أثناء نقاط التحوّل الحاسمة في حياتنا؛ فقد نغيّر نوع واتجاه وجودنا بأسره.►

 

المصدر: كتاب تمتع بالحياة/ 60 طريقة لجعل حياتك أفضل

ارسال التعليق

Top