• ٩ أيار/مايو ٢٠٢١ | ٢٧ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

العلاج النفسي.. بالضحك

وائل يوسف

العلاج النفسي.. بالضحك

◄"عرف الضحك كعلاج لأوجاع الإنسان منذ القدم، فقد عرف الإنسان القديم أنّ للضحك فوائد جمّة في علاج ضغط الدم، والتنفس، وعمليات الهدم والبناء العضوية داخل الجسم، وصحّة القلب، والجهاز الدوراني، وتقوية جهاز المناعة، وزيادة إسترخاء الجهاز العصبي، وزيادة إفراز هرمونات الأندروفين في المخ، والتي هي بمثابة الحُرّاس الطبيعيين للجسم ضدّ الألم، والتوتر، وكثير من الأزمات الجسمية والنفسية"
لاحظ الباحث فراي العام 1992 أنّ الضحك يترتَّب عليه حدوث تغيُّرات فسيولوجية مصحوبة بزيادة في ضغط الدم ومعدل النبض والتقلُّص العضلي، وأنّ هذه الإستجابات نفسها تحدث أيضاً عندما يرتفع مستوى القلق لدى الإنسان. لكن الفرق الأساسي بينهما، هو أنّ مثل هذه التغيُّرات تكون سريعة التبدُّد والتلاشي خلال الضحك بحيث يعقبها إسترخاء عضلي سريع، وانخفاض في ضغط الدم ومعدل النبض. أمّا إستمرار هذه التغيُّرات في حالة القلق، فيكون أطول، حيث تستمر التوترات والتقلصات العضلية، ومشاعر الضيق وعدم الراحة وعدم الإستقرار.

- الآثار الإيجابية للضحك:
الضحك والجهاز المناعي: نحن نعرف أنّ الضغوط النفسية يمكنها أن تخلق حالة فسيولوجية غير سليمة، فهي تعمل على زيادة التوتر العضلي، وزيادة ضغط الدم، وتؤدِّي إلى ضعف في جهاز المناعة. وتؤكِّد الدراسات الحديثة على حصول زيادة في تركيز بعض الأجسام المضادة في لعاب بعض الأفراد الذين كانوا يشاهدون بعض الأفلام والمسلسلات والبرامج الكوميدية. ومن المعروف أنّ هذه الأجسام تحمي الجسم في مواجهة الإصابة أو العدوى التي تحدث للأجهزة التنفسية والمعوية. كذلك لاحظة بحوث أخرى أنّ تركيز الهرمون وهو بروتين للمناعة موجود في الدم، كان أعلى لدى الأفراد الذين يستعينون بالفكاهة والضحك كأسلوب لمواجهة الضغوط اليومية والأزمات النفسية.
لقد أجريت دراسات عديدة من خلال استخدام البروتين الموجود في لعاب الإنسان، وذلك بسبب بساطة تركيبه، وقلة تكاليف جمعه ودراسته، وما قيل عنه من أنّه يمثل الخط الدفاعي الأوّل للجسم ضدّ الإصابة الفيروسية والبكتيرية التي تصيب الأجزاء العليا من جهاز التنفس لدى الإنسان. وقد استهلّ ديلتون وزملاؤه هذه الدراسات وبدأوا في نشر نتائجهم منذ العام 1985 وما بعده. وقد وجدوا أنّ الضحك الذي يحدث من خلال مشاهدة بعض الأفراد لشرائط فيديو فكاهية يؤدِّي إلى زيادة دالة في تركيز بروتين الاميونوجلوبولين هذا في اللعاب. كما وجدوا إرتباطاً وثيقاً أيضاً بين تركيز هذا البروتين في اللعاب وبين بعض المقاييس النفسية التي تقيس أساليب مواجهة الضغوط النفسية بالفكاهة والضحك.
الضحك والضغوط النفسية: الضحك، بالطبع، لا يخفض أسباب الضغوط النفسية، لكنه يخفض عملية الشعور بها، فهو قد يجعل الإنسان يتجاوز أزمة مؤقتة، لو كان قد استسلم لها، ربّما أدّت إلى آثار صحّية سلبية، ومن ثمّ يتفاقم الشعور بالضغط لديه. لقد أظهرت دراسات حديثة أنّ الإسترخاء الفسيولوجي، وخفض التوتر العضلي الذي يحدث عقب الضحك له تأثير تطهيري، ويماثل ذلك الأثر الذي يحدث في الجسم عقب القيام بتدريبات معيّنة للإسترخاء العضلي. فعندما نضحك تكون الإستجابة الأوّلية للجسم هي تقلص عضلات الصدر والبطن وزيادة في ضغط الدم. وقد يزداد معدل النبض ويفرز هرمون الأدرينالين في مجرى الدم، ثمّ تحدث فترة من الإسترخاء بعد ذلك قد ينخفض عندها ضغط الدم ومعدل النبض إلى المستويات الأساسية، بل ربّما إلى ما هو أدنى منها، وقد تستمر فترة الإسترخاء هذه في الجهاز الدوري نحو 45 دقيقة بعد الضحك.
وبسبب حدوث تنفس واضح وسريع خلال الضحك، يزداد إستنشاق الأوكسجين وإفرازه، وترتفع وتيرة التهوية في نشاط الجهاز التنفسي بشكل عام، ويتماهى هذا الفعل مع الأثر الذي ينجم عن رياضة الجري في الجسم والمتمثل بالإستجابات الصحّية الإيجابية. ويساعد ذلك على إنتاج مادة الغندروفينات في المخ، وهي مادة تماثل الأفيون ومشتقاته من حيث التأثير، إذ إنّها تخفض الشعور بالألم إن وُجِد، ويشتد فعلها ليصل إلى حدود المتعة والنشوة إن غاب الألم، كما أنّها ترفع مستوى إنتاج هرمون الأدرينالين الذي يتوافر في جسم الإنسان خلال الأزمات والمشكلات الجسمية والنفسية، وقد وجد أنّ هذه التغيُّرات الجسمية المصاحبة للضحك لها تأثيراتها النفسية المهمة أيضاً، حيث إنّها تفضي إلى تحسُّن في الذاكرة والتعليم والإبداع وتزايد في النشاطات التفاعلية لنصفي المخ الأيمن والأيسر لدى كثير من الأسوياء والمرضى مع تزايد ضحكتهم من القلب. كذلك ينخفض التوتر الناجم عن الخوف والقلق والحزن والغضب عندمنا نقوم بالضحك.
الضحك وطاقة الحياة: إنّ الإبتسامة الحقّة – كما يعتقد الدكتور جون دياموند – أو حتى النظر إلى إبتسامة، تمنح المرء ما يُسمّى بـ(طاقة الحياة)، فكلّنا يعرف – كما يقول دياموند – مدى ما تشمل عليه الإبتسامة من جمال وفوائد. فللإبتسامة فوائد علاجية فعلية في رأيه. وفي كتاب (الجسد لا يكذب)، يقول إنّ الإبتسام يساعد على تقوية الغدة الصعترية أو التوتة، وهي إحدى الغدد التي تسهم على نحو صحّي في تقوية الجهاز المناعي للإنسان، وذلك لوجود روابط جسمية قوية بين عضلات الإبتسام وهذه الغدة.
ويذكر الباحث المدافع عن الطب البديل د. نورمان كوزين أنّه استطاع أن ينام من دون ألم، ومن دون مخدر عدّة ساعات بعد أن ضحك بعمق.

- أساليب العلاج بالضحك

أوّلاً – قاعات الضحك: وتقوم هذه الخدمة الفكاهية التي تقدم داخل المستشفيات على أساس تزويد المريض بمجموعة مختارة من النكات والحكايات والألعاب الطريفة والمسلية، والهدف من ذلك كلّه تقليل شعور المريض بالألم، وتعرف الفكاهة العلاجية في ضوء هذه الطريقة بأنّها "أي تفاعل إيجابي يكون قادراً عندما يستخهدم بشكل فعّال على تعزيز شعور المريض بحسن الحال الجسمي أو الإنفعالي". وتستخدم هذه الطريقة في العلاج ست أدوات رئيسة، هي:
1- مجموعة مختارة من الشرائط الصوتية، المسجلة المضحكة.
2- مكتبة تشتمل على كثير من الكتب والمجلات والصحف الفكاهية، وكذلك الأقوال والدعابات المضحكة.
3- مجموعة مختارة من شرائط الفيديو الكوميدية.
4- مجموعة من أفلام الرسوم المتحرِّكة الكوميدية.
5- تقديم تشكيلة متنوّعة من الألعاب التي تمزج بين المنافسة والتسلية والضحك.
6- مجموعة من عروض الأزياء والتمثيليات الدرامية الكوميدية التي يشترك فيها عدد من المهرجين والممثلين الكوميديين الذين يجري استقدامهم إلى المستشفى من أجل المساعدة في العلاج.
ثانياً – العلاج المعرفي: وصف الدكتور آرون بيك – رائد هذا المنحى من العلاج – إستراتيجيات معرفية متنوّعة من الممكن أن تستخدم في علاج الإكتئاب، ومن بينها الفكاهة. وقد قال عنها إنّها تكون فعّالة على نحو خاص عندما تكون تلقائية، وعندما تسمح للمريض بأن يلاحظ أفكاره الخاصة على نحو موضوعي ودون أن يتعرّض هو نفسه، أو أفكاره للسخرية، كما قد يستخدم المعالج هنا أيضاً أمثلة إفتراضية صارخة أو مبالغ فيها. لكنها تحيل – على نحو مباشر – إلى أفكار المريض، مما يجعله يضحك من مثل هذه الأفكار.
فهذا الأسلوب من العلاج، الذي تصاحبه الفكاهة، قد يعمل على توسيع حدود نسق الأفكار/ المعتقدات لدى الفرد، وعلى جعله أكثر مرونة، وأقل صلابة، وعلى تعزيز حالة التنافر المعرفي لديه، وهي الحالة التي قد يشعر خلالها بالتناقض بين ما كان يعتقده وبين ما أدركه الآن من خلال الفكاهة، ومن ثمّ قد يبحث عن أفكار بديلة للأفكار التي كان متمسكاً بها.
ثالثاً – العلاج الجماعي: قد يعمل العلاج الجماعي بشكل أفضل من العلاج الفردي، وذلك للتنوّع المتزايد في الأفكار والتنشيط والتيسير الإجتماعي داخل الجماعة. إنّ إطلاق النكات في جماعة يولد ضحكاً أكثر من إطلاقها بين فردين إثنين فقط، فالضحك له خاصية العدوى. ومع وجود مسافة جسمية خاصة بين الفرد والآخرين داخل الجماعة، قد تظهر أصوات وإيماءات خاصة تعزِّز التواصل الخاص بين الأفراد، وتقلِّل من الشعور بالقلق وتعدل من الحالات الإنفعالية.
المنطق الأساسي في العلاج الجماعي يشبه الحياة الواقعية أكثر من العلاج الفردي، ولذلك فهو أكثر ملاءمة في علاج إضطرابات التوافق الإجتماعي.
رابعاً – العلاج التحريضي: يقوم هذا الأسلوب على سياسة تلخصها العبارة القائلة: "كن قوياً من خلال الفكاهة"، هنا تستخدم المبالغة والمحاكاة التهكمية لمهاجمة منظومة المعتقدات والأفكار الموجودة لدى الأفراد، والتي تجعلهم يعانون سوء التوافق أو التكيُّف مع الواقع، ومع المجتمع، ومع الآخرين، وينظر هذا الأسلوب إلى المرضى على أنّهم أقل هشاشة من الناحية النفسية مما كان ينبغي أن يكونوا عليه من قوّة، وأيضاً على أنّ لديهم الحرِّيّة لأن يتيغّروا إن رغبوا في ذلك. إنّ أهداف هذا النوع من العلاج يمكن تلخيصها في أنّها بمنزلة الخطوات التي تطمح إلى جعل المريض:
1- يؤكِّد جدارته الذاتية بطريقة لفظية وسلوكية أيضاً.
2- يؤكِّد ذاته على نحو مناسب في أداء المهام وفي العلاقات الإنسانية.
3- يدافع عن نفسه بطريقة واقعية.
4- يشترك في عدّة أنشطة نفسية إجتماعية واقعية.
5- يشترك في سلوكيات تقوم على أساس المخاطرة في العلاقات الشخصية.

- اليأس المُكتسب والتفاؤل المُكتسب

يرتبط هذان المصطلحان بإسم العالم الأمريكي مارتين سيليجمان الذي قام بسلسلة من التجارب التي أجريت أوّلاً على الكلاب، ثمّ عُمِّمَت نتائجها على الإنسان. ويشير مصطلح اليأس المُكتسب إلى تلك الحالة المدروسة التي تحدث نتيجة للتعرُّض لمواقف مزعجة ومنفرة ومؤلمة وغير سارة، إذ لا تكون هناك فرصة خلالها للهروب من مثل هذه المواقف أو المثيرات المنفرة والمؤلمة. وقد ظهر من تجارب سيليجمان أنّ الصدمات الكهربائية المتكررة الموجَّهة إلى الكلاب قد أدّت إلى ظهور نوع من اليأس والسلبية الشديدين جدّاً لديها، بحيث إنّها حتى عندما أتيحت لها الفرصة للهروب من مثل هذه المواقف لم تفعل ذلك!! لقد عمم مثل هذه النتائج على الفئران بعد ذلك، ثمّ على الإنسان. فالإنسان قد يشعر بالإكتئاب عندما يجد أن أوجه نشاطه المتنوِّع قد أصبحت غير مجدية، وأنّ كل عائد من أي نشاط يقوم به هو الإهمال والمعاقبة، هنا يجد نفسه في حلقة مفرغة، ومن ثمّ يجد نفسه متباطئاً متقاعساً، وفاقداً للأمل، ويعاني الإكتئاب.
إنّ اليأس المُكتسب هو محصلة أساسية للهزيمة والفشل. ومادام هذا اليأس المُكتسب يمكن علاجه، كما قال سيليجمان، من خلال إقتناع الفرد بأنّ أفعاله ذات جدوى، فإنّه يمكن تعليمه كذلك أن يُفكِّر بطريقة مختلفة حول ما أدّى به إلى الفشل. وإذا تمّت أيضاً زيادة ثقة المرء بنفسه، وتقوية حالة توكيد الذات لديه من خلال القول له وإقناعه بطرائق متنوِّعة.
فالأفراد والجماعات والشعوب الأكثر تفاؤلاً هي التي تبقى وتستمر. والأكثر يأساً وشعوراً بالإحباط والفشل هي التي تضعف وتندثر. يبقى المتفائل ويستمر في وجه اليأس والفشل، فهو عندما يكون ظهره للحائط محاصراً يبقى ويستمر.. عندما تلاحقه الصدمات والنكسات يبقى ويستمر.. عندما يحدث له غير المتوقع، يبقى بالأمل، ويستمر بالتفاؤل.
وفي نهاية هذا الموضوع، أتمنّى أن تكون قد اتَخذتَ من الضحك صديقاً لك، يذهب معك أينما ذهبت، ويجاورك في كل مكان.►

ارسال التعليق

Top