• ١ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٥ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

كيف نحمي أنفسنا من الـ«ألزهايمر»؟

كيف نحمي أنفسنا من الـ«ألزهايمر»؟

الـ«ألزهايمر»، فلنحفظ هذا الاسم جيداً ونحن في كامل ألقنا ووعينا، لا أحد أبداً قد يدري ماذا تُخبئه الحياة لنا فننسى حتى اسمنا. نغالي؟ نبالغ؟ من رأى البؤبؤ في عيني تلك المرأة المكللة بتجاعيد العمر وهي تحدق في وجوه بناتها تائهة، مستغربة، ضائعة، يدرك أنّ أقسى ما قد نعانيه في عمرنا هو مرض يُنسينا، أو يُنسي مَن نحب، كلّ العمر.

كلّ الحكاية عن داء فقدان الذاكرة، عن الـ«ألزهايمر»، الذي قد يجعلنا ننسى أنّنا ولدنا وكبرنا وتعبنا واجتهدنا ونجحنا وحزنا وفرحنا وحلمنا... أتتخيلون؟

تتذكرون على الأرجح رونالد ريغان، الرئيس الأمريكي الأسبق، الذي عانى مرض الـ«ألزهايمر» وفشلت كلّ علاجات الأرض في إنعاش قدراته العقلية. لا؟ لا تتذكرون؟

 

ماذا عن الـ«ألزهايمر»؟ كيف نحمي أنفسنا منه؟ هل الوقاية تنفع؟ هل العلاج ينفع؟

فلنبدأ من الأرقام، من النسب التي قد تهزنا أكثر من مئات الكلمات: "جمعية ألزهايمر الأمريكية" تحذر من احتمال أن يصل عدد المصابين بمرض الـ«ألزهايمر» في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها إلى 14 مليون مصاب في 2020. وهو السبب السادس للوفيات هناك، ويُتوقع أن يكون واحداً من أسرع الأمراض نمواً في العالم في 2025. أتتخيلون كلّ هذا؟ أتتخيلون معنى أن يكون هناك 14 مليون إنسان لا يتذكرون حتى أسماءهم في بلاد العم سام وحدها؟

هذا هناك، في الولايات المتحدة الأمريكية. أما في الإمارات العربية المتحدة مثلاً، فقد حذر أطباء في ندوة طبية جرت في أبوظبي مؤخراً، من ارتفاع نسب الإصابة وأمراض فقدان الذاكرة في دولة الإمارات نحو 600 في المئة في 2030، على أن تصيب هذه الأمراض أكثر من 32 ألف مريض، بعدما كانت تلامس في 2010 نحو 5000 مصاب. الرقم المتصاعد يُنذرنا بخطر هائل يقترب. والأرقام، في البلاد العربية الأخرى، ليست أفضل بكثير.

 

ماذا نفعل؟ كيف نواجه؟

فلنعرف عن الـ«ألزهايمر» أكثر لأنّ المعرفة، في ذاتها، قوة.

أخصائي طب الشيخوخة الدكتور نبيل نجا يستريح على كرسيه وينظر في الأفق، في الشمس التي تغوص في البحر، وهو يجيب: "إنّ الذاكرة مثل أي عضو آخر في الجسم تتأثر بتقدم العمر، بشيخوخة الجسد. فالولد، ابن عشر سنوات، يصعد عشرة طوابق ولا يتعب لكن حين يبلغ الستين سيتعب فور اعتلاء الطابق الأوّل. السمع يشيخ، النظر يشيخ، والذاكرة أيضاً تشيخ والقدرات الذهنية تتباطأ ووحده الذكاء لا يتأثر. والـ«ألزهايمر» هو مرض دماغي يؤدي إلى تلف القدرة على التفكير والذاكرة ويؤثر في المزاج والمشاعر ويمنع القيام بالأنشطة الحياتية اليومية. ويحدث الـ«ألزهايمر» حين تتراكم جزيئات "بيتا أميلويد" أو "أي- بيتا" في خلايا الدماغ وتلتصق ببعضها البعض، ما يُعرقل العمليات الحيوية في الدماغ ويؤدي إلى خنق الخلايا الحية وموتها فينكمش الدماغ في بعض المناطق".

سؤال يطرح نفسه: هل الـ«ألزهايمر» هو نوع من أنواع الخرف؟ يجيب طبيب الشيخوخة بتبسيط: "الخرف يُشبه المظلة، والـ«ألزهايمر» هو أحد فروع هذه المظلة. وهناك أسباب مختلفة قد تؤدي إلى الإصابة، بينها أن يكون المريض قد تعرض ذات يوم لضربات مباشرة متتالية على رأسه، وعوارض الخرف والـ«ألزهايمر» تشبه عوارض الكآبة، فيبدو المصاب حزيناً لا يرغب في الاختلاط بالآخرين، صوته دائماً مرتفع وعصبي المزاج".

نبقى إذن مع الـ«ألزهايمر» لنعرف عنه أكثر وتحديداً عن بداياته، فعوارض هذا الداء تبدأ بأن يبدأ المصاب بالنقاش، يُناقش كلّ من حوله، يُناقش أتفه الأمور، مكرراً كلماته بعبثية، بلا تفكير عميق، من دون منطق غالباً، لكنه، في المقابل، قد يسمع إجابات منطقية ممن حوله، وبين المنطق واللامنطق قد تتسع الهوة بين من بدأت إشارات الـ«ألزهايمر» تظهر عليه وبين كلّ الآخرين. ويبدأ المصاب بنسيان الأشياء الجديدة، فالعطل يصيب المكان الأوّل في الدماغ فتطير المعلومات الحديثة جدّاً، فلا يعود المصاب يتذكر مساءً ماذا تناول عند الظهر، أي نوع غذاء، وقد ينسى إذا ما كان قد أخذ حبة الدواء أو لا ومَن التقى وماذا قال وكيف تصرف وأين ذهب... ولا يلبث أن ينسى تدريجياً الأحداث الأقدم ثمّ تلك القديمة جدّاً، إلى حين يصل إلى مرحلة لا يعود فيها قادراً على تذكر كيف يمضغ حتى الطعام ويفقد استقلاليته الكاملة، وقد تستغرق الفترة بين الإصابة وتملك الداء كلياً في المريض بين ثماني سنوات واثنتي عشرة سنة وقد تطول هذه المدة عند البعض إلى عشرين سنة كحد أقصى.

مريض الـ«ألزهايمر» يصبح مثل الطفل، هو طفل كبير، وهو غير عدائي أبداً وليس مجنوناً ولا معتوهاً، وإذا تصرف أحياناً بعدائية يكون يدافع عن نفسه، فإذا سحب أحدهم من بين يديه مثلاً كوب المياه سيصرخ محاولاً الاحتفاظ به، هو يحتاج إذن إلى حب، إلى كثير من الحب، وإلى رأفة وصبر. ويفترض بأهل المصاب أن يتذكروا دائماً أنهم يتعاملون مع إنسان فقد الذاكرة والمنطق.

هل هناك أعراض عضوية أخرى؟ يبدو أنّ معظم مرضى الـ«ألزهايمر» يعانون نقصاً كبيراً في الوزن وسلس البول وفقدان التحكم في عمل المثانة وصولاً إلى صعوبة البلع والهضم وعمل الأمعاء.

يصيب هذا الداء واحداً من كلّ عشرة أشخاص تجاوزوا الستين عاماً، وواحداً من كلّ خمسة تجاوزوا الثمانين عاماً، وواحداً من كلّ ثلاثة تجاوزوا 85 عاماً. وهناك من يستند إلى معطيات وأبحاث تشير إلى أنّ نسبة 10 في المئة من إصابات الـ«ألزهايمر» تنتقل عبر الجينات الوراثية من أحد الوالدين أو من كليهما. أمّا نسبة تسعين في المئة من الإصابات فترد إلى أسباب أخرى غير وراثية بينها التقدم في العمر، كما أنّ الاكتئاب المزمن وحدوث ضربات شديدة على الرأس، كما سبق أن قلنا، قد يؤديان إلى تطور هذا الداء. وثمة خبر غير سار للنساء هو أنهنّ أكثر عرضة للإصابة، ربما لأنّهن، في المعدل الوسطي للعمر، يعشن مدة أطول من الرجال، كما أنّهن يواجهن ظروفاً صحية خاصة مختلفة ويعانين السمنة بمعدلات أكبر، والسمنة، كما كلّنا يعلم، تزيد من مخاطر الإصابة بالسكر والكوليسترول وهما من الأمراض التي تزيد من احتمالات الإصابة بداء الـ«ألزهايمر».

العلاج القادر على إنعاش الذاكرة لم يتأكد وجوده بعد وكلّ الأدوية الموجودة قد تُبطئ من تسارع تلف الخلايا، لكنّها لا توقف عملية تلف كيمياء الدماغ وبنيته مع مرور الوقت كلياً.

 

ماذا عن الوقاية؟ هل هي ممكنة؟ هل تستطيع تحصين أجسامنا ضد الـ«ألزهايمر»؟

هناك إشارات تدل على أنّ خيار اعتماد أسلوب حياة صحي قد يساعد على تخفيض إمكانية التعرض للمرض. ماذا يقتضي أن نفعل إذن؟ ممارسة النشاط البدني والرياضة مفيدة، تناول الفاكهة والخضار والأسماك الطازجة مستحب، وإبقاء الدماغ يقظاً مطلوب، وينصح أطباء الشيخوخة دائماً بتخفيض الإجهاد ومراقبة ضغط الدم ومستويات السكر في الدم والكوليسترول.

تحت وطأة الداء، وفي اللحظات الصعبة، وعند الألم الكبير والغضب العارم فلنتذكر أنّ في خلفية ذاك المسمى شعبياً "خرفان" وطبياً "مريض الألزهايمر" هناك شخص له اسم وروح ومشاعر وإرادة وشخصية وله قصة حياة ومحيط وله، أكثر من هذا كلّه وأهم من هذا كلّه، حاضر. إنّه إنسان اللحظة، فلنسهم في جعل هذه اللحظة، لحظة لا متناهية.

ارسال التعليق

Top